العيني
241
عمدة القاري
مسعود ، وليس بثابت عنهما ، وتركوا الحديث بالقياس بأن يده قد زالت كيد الراهن . وقال بعض الشافعية : في الحديث المذكور حجة على أبي حنيفة حيث قال : هو أسوة الغرماء ، وأجابوا عن الحديث بأجوبة . أحدها : أنهم قالوا : هذا الحديث مخالف للأصول الثابتة ، فإن المبتاع قد ملك السلعة وصارت في ضمانة فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه ، قالوا : والحديث إذا خالف القياس يشترط فيه فقه الراوي ، وأبو هريرة ليس كذلك . والثاني : أن المراد الغصوب والعواري والودائع والبيوع الفاسدة ونحوها . والثالث : أنه محمول على البيع قبل القبض . وهذه الأجوبة فاسدة . أما الأول : فإن كل حديث أصل برأسه ، فلا يجوز أن يعترض عليه بسائر الأصول المخالفة له ، وقد ينقض ملك المالك في غير موضع : كالشفعة والطلاق قبل الدخول بعد أن ملكت الصداق ، وتقديم صاحب الرهن على الغرماء ، واختلاف المتبايعني وتعجيز المكاتب وغير ذلك ، وقد أخذت الحنفية بحديث القهقهة في الصلاة مع كونه مخالفاً للأصول وضعفه أيضاً . وأما الثاني : فيبطله قوله : أيما امرئ أفلس فإن المغصوب منه ومن ذكر معه أحق بمتاعه من المفلس وغيره . وأما الثالث : فيبطله ، ووجد الرجل سلعته عنده وهي قبل القبض ليست عند المفلس ، ولا يقال : وجدها صاحبها وأدركها ، وهي عنده . قلت : هؤلاء كلهم صدروا عن مكرع واحد ، أما القرطبي والنووي فإنهما ادعيا : بأن تأويل الحنفية ضعيف مردود ، ولم يبينا وجه ذلك ، وأما ابن بطال فإنه قال : الحنفية دفغوا حديث المفلس بالقياس ، ولا مدخل للقياس إلا إذا عدمت السنة ، وليس كما قال ، لأنهم ما دفعوا الحديث بالقياس ، بل عملوا بهما . أما عملهم بالحديث فظاهر قطعاً ، لأنه قال : من أدرك ماله بعينه ، وإدراك المال بعينه لا يتصور إلاَّ فيما قالوا نحو الغصوب والعواري والودائع ، ونحو ذلك ، لأن ماله في هذه الأشياء محقق ولم يخرج عن ملكه بوجه من الوجوه ، فلا يشاركه فيه أحد . وأما عملهم بالقياس فظاهر قطعاً أيضاً ، لأن المبيع خرج عن ملك البائع ودخل في ملك المشتري ، فإن لم يكن الثمن مقبوضاً فكيف يجوز تخصيص البائع به ومنع تشريك غيره من أصحاب الحقوق التي هي متعلقة بذمة المشتري ؟ فهذا لا يقبله النقل والقاس ، على أنه نقل عن إمامه مالك بن أنس : أن القياس مقدم على خبر الواحد . حيث يقول : إن القياس حجة بإجماع الصحابة . وفي اتصال خبر الواحد بالنبي صلى الله عليه وسلم احتمال وكان القياس الثابت بالإجماع أقوى ونحن نقول اجماع الصحابة على التقديم خبر الواحد على القياس ، وخبر الواحد حجة بالإجماع ، والشبهة بالقياس في الأصل وفي الخبر ، في الاتصال ، فيرجع الخبر عليه ، ودعواه بأن تأويل الكوفيين فاسد لأنه جعل لصاحب المتاع إذا وجده بعينه فاسدة لأنا لا نكرر جعله لصاحب المتاع إذا وجده بعينه ، فكل من كان صاحب المتاع فله الرجوع ، والبائع هنا خرج عن كونه صاحب المتاع ، لأن المتاع خرج من ملكه ، وتبدل الصفة هنا كتبدل الذات ، فصار المبيع غير ماله ، وقد كان عين ماله أولاً . فإن قلت : أنت ذكرت عقيب ذكر الحديث : أن أحاديث الباب تدل على أن حديث الباب وارد في البيع ، ثم ذكرت عن مسلم وغيره ما يدل على ذلك ؟ قلت : إنما ذكرت ذلك لأجل بيان ترجمة البخاري حيث قال : باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع . . . إلى آخره ، وذلك أن مذهبه مثل مذهب من يجعل البائع أسوة الغرماء ، فذكرت ما ذكرت لأجل بيان ذلك ، ولأجل المطابقة بين الترجمة والحديث . وأما حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فإنه مضطرب ، لأن مالكاً رواه في ( موطئه ) عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً ، وقال أبو داود : هو أصح ممن رواه عن مالك مسنداً ، وقال الدارقطني : ولا يثبت هذا عن الزهري مسنداً ، وإنما هو مرسل . وقال أبو عمر : كذا هو مرسل في جميع ( الموطآت ) التي رأينا ، وكذلك رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمنا مرسلاً إلاَّ عبد الرزاق ، فإنه رواه عن مالك : عن الزهري عن أبي بكر عن أبي هريرة فأسنده ، وقد اختلف في ذلك عن عبد الرزاق . قلت : المرسل حجة عندكم ؟ قلت : نعم ، ولكن المسند أقوى لأن عدالة الراوي شرط قبول الحديث ، وهي معلومة في المسند بالتصريح ، وفي المرسل مشكوكة أو معلومة بالدلالة ، والصريح أقوى من الدلالة ، والعجب من هؤلاء أنهم لا يرون المرسل حجة ثم يعملون به في مواضع . وأما قول صاحب ( التوضيح ) ؛ تعلق أبو حنيفة بشيء يروى عن علي وابن مسعود وليس بثابت عنهما ، ليس كذلك ، لأنا قد ذكرنا فيما مضى : أن قتادة روى عن خلاس بن عمرو عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، أنه أسوة الغرماء إذا وجدها بعينه ، وصححه ابن حزم ، وأما نقلهم عن الحنفية بأنهم قالوا :